أحمد بن محمد المقري التلمساني
294
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
وتفرّعت دوحتهم « 1 » ، وكان منهم عبد الرحمن بن مغيث حاجب عبد الرحمن بن معاوية صاحب الأندلس وغيره . ونشأ مغيث بدمشق ، ودخل الأندلس مع طارق فاتحها ، وجاز على ما في طريقها من البلاد إلى الشام ، وقدّمه طارق لفتح قرطبة ففتحها ووقع بينه وبين طارق ثم وقع بينه وبين موسى بن نصير سيّد طارق فرحل معهما إلى دمشق ثم عاد ظافرا عليهما إلى الأندلس ، وأنسل « 2 » بقرطبة البيت المذكور ، وفي « المسهب » أنه فتح قرطبة في شوال سنة 92 ، ثم فتح الكنيسة التي تحصّن بها ملك قرطبة بعد حصار ثلاثة أشهر في محرم سنة 93 ، ولم يذكر له مولدا ولا وفاة . وذكر الحجاري أنه تأدّب بدمشق مع بني عبد الملك فأفصح بالعربية ، وصار يقول من الشعر والنثر ما يجوز كتبه ، وتدرّب على الركوب ، وأخذ نفسه بالإقدام في مضايق الحروب ، حتى تخرّج في ذلك تخرّجا أهّله للتقدّم على الجيش الذي فتح قرطبة ، وكان مشهورا بحسن الرأي والكيد ، وقد قدّمنا كيفية فتحه قرطبة وأسره ملكها الذي لم يؤسر من ملوك الأندلس غيره ؛ لأن منهم من عقد على نفسه أمانا ، ومنهم من فرّ إلى جليقية . وذكر الحجاري أنه لمّا حصل بيده ملك قرطبة وحريمه رأى فيهنّ جارية كأنها بينهنّ بدر بين نجوم ، وهي تكثر التعرّض له بجمالها ، فوكّل بها من عرض عليها العذاب إن لم تقرّ بما عزمت عليه في شأن مغيث ، وأنه قد فطن من كثرة تعرّضها له بحسنها لما أضمرته من المكر في شأنه ، فأقرّت أنها أكثرت التعرّض لتقع بقلبه ، إذ حسنها فتّان ، وقد أعدّت له خرقة مسمومة لتمسح بها ذكره عند وقاعها ، فحمد اللّه تعالى على ما ألهمه إليه من مكرها ، وقال : لو كانت نفس هذه الجارية في صدر أبيها ما أخذت قرطبة من ليلة . وذكر أن سليمان بن عبد الملك ، لمّا أصغى إلى طارق في شأن سيّده موسى بن نصير فعذّبه واستصفى أمواله ، أراد أن يصرف سلطان الأندلس إلى طارق ، وكان مغيث قد تغيّر عليه ، فاستشار سليمان مغيثا في تولية طارق ، وقال له : كيف أمره بالأندلس ؟ فقال : لو أمر أهلها بالصلاة إلى أي قبلة شاءها لتبعوه ولم يروا أنهم كفروا ، فعملت هذه المكيدة في نفس سليمان ، وبدا له في ولايته ، فلقيه بعد ذلك طارق ، فقال له : ليتك وصفت أهل الأندلس بعصياني ، ولم تضمر في الطاعة ما أضمرت ، فقال مغيث : ليتك تركت لي العلج « 3 » فتركت لك الأندلس ، وكان طارق قد أراد أن يأخذ منه ملك
--> ( 1 ) الدوحة : الشجرة العالية الكثيرة الأغصان ، وقد درج العرب على تشبيه بيوتهم ذات النسب بها . ( 2 ) أنسل : ولد ، صار ذا نسب . ( 3 ) العلج : الرجل الضخم الشديد من كفار العجم ، ويطلق العلج على الكافر مطلقا ، جمعه : علوج وأعلاج وعلجة .